فصل: تفسير الآيات (1- 2):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (95- 101):

{وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (95) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)}
{ولا تشتروا بعهد الله ثمناً قليلاً} لا تنقضوا عهودكم تطلبون بنقضها عرضاً من الدُّنيا {إنَّ ما عند الله} أَيْ: ما عند الله من الثَّواب على الوفاء {خير لكم إن كنتم تعلمون} ذلك.
{ما عندكم ينفد} يفنى وينقطع، يعني: في الدُّنيا {وما عند الله} من الثَّواب والكرامة {باق} دائمٌ لا ينقطع {ولنجزين الذين صبروا} على دينهم وعمَّا نهاهم الله تعالى {أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} يعني: الطَّاعات، وقوله: {فلنحيينه حياة طيبة} قيل هي القناعة، وقيل: هي حياة الجنَّة.
{فإذا قرأت القرآن} أَيْ: إذا أردت أن تقرأ القرآن {فاستعذ بالله} فاسأل الله أن يعيذك ويمنعك {من الشَّيطان الرجيم}.
{إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا} أَيْ: حجَّةٌ في إغوائهم ودعائهم إلى الضَّلالة، والمعنى: ليس له عليهم سلطان الإِغواء.
{إنما سلطانه على الذين يتولونه} يُطيعونه {والذين هم به} بسببه وطاعته فيما يدعوهم إليه {مشركون} بالله.
{وإذا بدلنا آية} أَيْ: رفعناها وأنزلنا غيرها لنوعٍ من المصلحة {والله أعلم} بمصالح العباد في {ما ينزَّل} من النَّاسخ والمنسوخ {قالوا} يعني: الكفَّار {إنما أنت مفترٍ} كذَّابٌ تقوله من عندك {بل أكثرهم لا يعلمون} حقيقةَ القرآن وفائدةَ النَّسخ والتَّبديل.

.تفسير الآيات (102- 103):

{قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)}
{قل نزله روح القدس} جبريل عليه السَّلام {من ربك} من كلام ربِّك {بالحق} بالأمر الحقِّ {ليثبت الذين آمنوا} بما فيه من الحجج والآيات {وهدىً} وهو هدىً.
{ولقد نعلم أنَّهم يقولون إنما يُعلِّمه} القرآنَ {بشرٌ} يعنون عبداً لبني الحضرمي كان يقرأ الكتب {لسان الذي يلحدون إليه} لغةُ الذي يميلون القول إليه ويزعمون أنَّه يُعلِّمك {أعجميّ} لا يُفصح ولا يتكلَّم بالعربية {وهذا} يعني القرآن {لسان} لغة {عربيّ مبين} أفصح ما يكون من العربيَّة وأبينه، ثمَّ أخبر أنَّ الكاذبين هم.

.تفسير الآيات (105- 107):

{إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107)}
{إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله} لأنَّهم يقولون لما لا يقدر عليه إلاَّ الله هذا من قول البشر، ثمَّ سمَّاهم كاذبين بقوله: {وأولئك هم الكاذبون}.
{مَنْ كفر بالله من بعد إيمانه} هذا ابتداء كلام، وخبره في قوله: {فعليهم غضب من الله} ثمَّ استثنى المُكره على الكفر، فقال: {إلاَّ مَنْ أكره} أَيْ: على التَّلفظ بكلمة الكفر {وقلبه مطمئن بالإِيمان ولكن من شَرَحَ بالكفر صدراً} أَيْ: فتحه ووسَّعه لقبوله.
{ذلك} الكفر {بأنهم استحبوا الحياة الدنيا} اختاروها {على الآخرة وأنَّ الله} لا يهديهم ولا يريد هدايتهم، ثمَّ وصفهم بأنَّهم مطبوعٌ على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، وأنَّهم غافلون عمَّا يُراد بهم، ثمَّ حكم عليهم بالخسار.

.تفسير الآيات (109- 114):

{لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (111) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114)}
{لا جرم} أَيْ: حقَّاً {أنهم في الآخرة هم الخاسرون} المغبونون.
{ثمَّ إنَّ ربك للذين هاجروا} يعني: المُستضعفين الذين كانوا بمكَّة {من بعد ما فتنوا} أَيْ: عُذِّبوا وأُوذوا حتى يلفظوا بما يرضيهم {ثمَّ جاهدوا} مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم {وصبروا} على الدِّين والجهاد {إنَّ ربك من بعدها} أَيْ: من بعد تلك الفتنة التي أصابتهم {لغفور رحيم} يغفر لهم ما تلفَّظوا به من الكفر تقيَّة.
{يوم تأتي} أَيْ: اذكر لهم ذلك اليوم وذكِّرهم، وهو يوم القيامة {كلُّ نفس} كلُّ أحدٍ لا تهمُّه إلاَّ نفسه، فهو مخاصمٌ ومحتجٌ عن نفسه، حتى إنَّ إبراهيم عليه السَّلام ليدلي بالخلَّة {وتوفى كلُّ نفس ما عملت} أَيْ: جزاء ما عملت {وهم لا يظلمون} لا ينقصون، ثمَّ أنزل الله تعالى في أهل مكَّة وما امتُحنوا به من القحط والجوع قوله تعالى: {وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة} ذات أمنٍ لا يُغار على أهلها {مطمئنة} قارَّةً بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوفٍ أو ضيقٍ {يأتيها رزقها رغداً من كلِّ مكان} يُجلب إليها من كلِّ بلدٍ، كما قال: {يُجبى إليه ثمراتُ كلِّ شيء} {فكفرت بأنعم الله} حين كذَّبوا رسوله {فأذاقها الله لباس الجوع} عذَّبهم الله بالجوع سبع سنين {والخوف} من سرايا النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم التي كان يبعثهم إليهم فيطوفون بهم {بما كانوا يصنعون} من تكذيب النبيِّ صلى الله عليه وسلم وإخراجه من مكَّة.
{ولقد جاءهم} يعني: أهل مكَّة {رسول منهم} من نسبهم، يعرفونه بأصله ونسبه {فكذبوه فأخذهم العذاب} يعني: الجوع.
{فكلوا} يا معشر المؤمنين {مما رزقكم الله} من الغنائم، وهذه الآية والتي بعدها سبق تفسيرهما في سورة البقرة.

.تفسير الآيات (116- 117):

{وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117)}
{ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب} أَيْ: لوصف ألسنتكم الكذب، والمعنى: لا تقولوا لأجل الكذب وسببه لا لغيره: {هذا حلال وهذا حرام} يعني: ما كانوا يحلُّونه ويُحرِّمونه من الحرث والأنعام {لتفتروا على الله الكذب} بنسبة ذلك التَّحليل والتَّحريم إليه، ثمَّ أوعد المفترين فقال: {إنَّ الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون}.
{متاع قليل} أَيْ: لهم في الدُّنيا متاعٌ قليلٌ، ثم يردُّون إلى عذابٍ أليمٍ.

.تفسير الآيات (118- 120):

{وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)}
{وعلى الذين هادوا حرَّمنا ما قصصنا عليك من قبل} يعني: في سورة الأنعام: {وعلى الذين هادوا حرمنا كلَّ ذي ظفر...} الآية. {وما ظلمناهم} بتحريم ما حرَّمنا عليهم {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} بأنواع المعاصي.
{ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة} أَيْ: الشِّرك {ثم تابوا من بعد ذلك} آمنوا وصدَّقوا {وأصلحوا} قاموا بفرائض الله وانتهوا عن معاصيه {إن ربك من بعدها} من بعد تلك الجهالة {لغفور رحيم}.
{إنَّ إبراهيم كان أمة} مؤمناً وحده، والنَّاس كلُّهم كفَّارٌ {قانتاً} مُطيعاً {لله حنيفاً} لأنَّه اختتن وقام بمناسك الحجِّ.

.تفسير الآيات (122- 123):

{وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123)}
{وآتيناه في الدنيا حسنة} يعني: الذِّكر والثَّناء الحسن في النَّاس كلِّهم {وإنَّه في الآخرة لمن الصالحين} هذا ترغيبٌ في الصَّلاح؛ ليصير صاحبه من جملة مَنْ منهم إبراهيم عليه السَّلام مع شرفه.
{ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً} أمر باتِّباعه في مناسك الحجِّ، كما علَّم جبريل عليه السَّلام إبراهيم عليه السَّلام.

.تفسير الآيات (124- 128):

{إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124) ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)}
{إنما جُعِلَ السبت على الذين اختلفوا فيه} وهم اليهود، أمروا أن يتفرَّغوا للعبادة في يوم الجمعة، فقالوا لا نريده، ونريد اليوم الذي فرغ الله سبحانه فيه من الخلق، واختاروا السَّبْتَ، ومعنى اختلفوا فيه، أَيْ: على نبيِّهم حيث لم يطيعوه في أخذ الجمعة، فجعل السَّبْتَ عليهم، أَيْ: غَلَّظَ وضيَّق الأمر فيه عليهم.
{ادع إلى سبيل ربك} دين ربِّك {بالحكمة} بالنُّبوَّة {والموعظة الحسنة} يعني: مواعظ القرآن {وجادلهم} افتلهم عمَّا هم عليه {بالتي هي أحسن} بالكلمة اللَّيِّنة، وكان هذا قبل الأمر بالقتال، {إن ربك هو أعلم...} الآية. يقول: هو أعلم بالفريقين، فهو يأمرك فيهما بما هو الصَّلاح.
{وإن عاقبتم...} الآية. نزلت حين نظر النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى حمزة وقد مُثِّل به، فقال: واللَّهِ لأُمَثِلنَّ بسبعين منهم مكانك، فنزل جبريل عليه السَّلام بهذه الآيات، فصبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم وكفَّر عن يمينه، وأمسك عمَّا أراد. وقوله سبحانه {ولئن صبرتم} أَيْ: عن المجازاة بالمثلة {لهو} أَيْ: الصَّبر {خير للصابرين} ثمَّ أمره بالصَّبر عزماً، فقال: {واصبر وما صبرك إلاَّ بالله} أَيْ: بتوفيقه ومعونته {ولا تحزن عليهم} على المشركين بإعراضهم عنك {ولاتك في ضيق مما يمكرون} لا يضيق صدرك من مكرهم.
{إنَّ الله مع الذين اتقوا} الفواحش والكبائر {والذين هم محسنون} في العمل بالنَّصرة والمعونة.

.سورة الإسراء:

.تفسير الآيات (1- 2):

{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2)}
{سبحان الذي} براءةٌ له من السُّوء {أسرى بعبده} سيَّر محمَّداً عليه السَّلام {من المسجد الحرام} يعني: مكَّة، ومكَّةُ كلُّها مسجد {إلى المسجد الأقصى} وهو بيت المقدس، وقيل له الأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام {الذي باركنا حوله} بالثِّمار والأنهار {لنريه من آياتنا} وهو ما أُري في تلك اللَّيلة من الآيات التي تدلُّ على قدرة الله سبحانه. ثمَّ ذكر أنَّه سبحانه أكرم موسى عليه السَّلام أيضاً قبله بالكتاب، فقال: {وآتينا موسى الكتاب} التَّوراة {وجعلناه هدىً لبني إسرائيل} دللناهم به على الهدى {ألا تتخذوا} فقلنا: لا تتخذوا، وأن زائدة، والمعنى: لا تتوكَّلوا على غيري ولا تتَّخذوا من دوني ربَّاً.

.تفسير الآيات (3- 9):

{ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8) إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)}
{ذرية} يا ذريَّةَ {مَنْ حملنا مع نوح} يعني: بني إسرائيل، وكانوا ذريَّةَ مَنْ كان في سفينة نوح عليه السَّلام، وفي هذا تذكيرٌ بالنِّعمة إذْ أنجى آباءهم من الغرق، ثمَّ أثنى على نوحٍ، فقال: {إنَّه كان عبداً شكوراً} كان إذا أكل حمد الله، وإذا لبس ثوباً حمد الله.
{وقضينا إلى بني إسرائيل} أوحينا إليهم وأعلمناهم في كتابهم {لتفسدنَّ في الأرض مرتين} بالمعاصي وخلاف أحكام التَّوراة {ولتعلن علواً كبيراً} لتتعظمنَّ ولتبغُنَّ.
{فإذا جاء وعد أولاهما} يعني: أوَّل مرَّة في الفساد {بعثنا عليكم} أرسلنا عليكم وسلَّطنا {عباداً لنا} يعني: جالوت وقومه {أولي بأسٍ شديد} ذوي قوَّةٍ شديدةٍ {فجاسوا خلال الديار} تردَّدوا وطافوا وسط منازلهم ليطلبوا مَنْ يقتلونهم {وكان وعداً مفعولاً} قضاءً قضاه الله تعالى عليهم.
{ثمَّ رددنا لكم الكرَّة عليهم} نصرناكم، ورددنا الدَّولة لكم عليهم بقتل جالوت {وأمددناكم بأموالٍ وبنين} حتى عاد أمركم كما كان {وجعلناكم أكثر نفيراً} أكثر عدداً من عدوِّكم.
{إن أحسنتم} أَيْ: وقلنا: إن أحسنتم {أحسنتم لأنفسكم} إن أطعتم الله فيما بقي عفا عنكم المساوئ {وإنْ أسأتم} بالفساد وعصيان الأنبياء وقتلهم {فلها} فعليها يقع الوبال. {فإذا جاء وعد الآخرة} المرَّة الأخيرة من إفسادكم وجواب إذا محذوف على تقدير: بعثناهم {لِيَسُوْءُوْا وجوهكم} وهو أنَّه بعث عليهم بختنصر، فسبى وقتل وخرب، ومعنى لِيَسُوْءُوْا وجوهكم: ليخزوكم خزياً يظهر أثره في وجوهكم، كسبي ذراريكم وإخراب مساجدكم {وليتبروا ما علوا} وليدمِّروا ويُخرِّبوا ما غلبوا عليه.
{عسى ربكم} وهذا أيضاً ممَّا أُخبروا به في كتابهم، والمعنى: لعلَّ ربكم {أن يرحمكم} ويعفو عنكم بعد انتقامه منكم يا بني إسرائيل. {وإن عدتم} بالمعصية {عدنا} بالعقوبة، هذا في الدُّنيا، وأمَّا في الآخرة فقد {جعلنا جهنم للكافرين حصيراً} أَيْ: سجناً ومحبساً.
{إنَّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} يرشد إلى الحالة التي هي أعدل وأصوب، هي توحيد الله تعالى والإِيمان برسله {ويبشر المؤمنين} بأنَّ {لهم أجراً كبيراً} وأنَّ أعداءهم معذَّبون في الآخرة.